أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

277

التوحيد

[ القول في خلق الإيمان ] ثم القول في خلق الإيمان فيما بيننا وبين فريق من الحشوية ، مع ما قد بينا القول في خلق أفعال العباد ما يكفي ذلك من تأمل أمر الإيمان ، أنّ الإيمان لا يخلو من أن يكون معروفا أو مجهولا ، فإن كان مجهولا لا يعلمه أحد ، فنقول : من يقول بنفي الخلق لا معنى له ؛ لأن الذي يجهل حتى لا يصل إلى العلم به من طريق الدليل هو الخلق الذي لم يجعل اللّه فيما يشهده عليه دليلا يعرف مائيته وحقيقته ، وذلك خلق في جملة القول ، وبدلالة المحسوس على أن كل شيء سوى اللّه خلق ، كائن بعد أن لم يكن . فأمّا اللّه تعالى وما يوصف به ففي الشاهد دليل على التحقيق والإثبات ، فلا وجه للجهل به ، وفي ذلك تثبيت جعله خلقا . مع ما لا يجوز الجهل به ؛ إذ الأمر بفعله عن اللّه في جميع كتبه المنزلة ورسله الذين أرسلهم ، وبه خوطب العباد بجميع شرائع الإسلام ، فمحال يعرفها على الجهل بحقيقة ما به وجب التكليف وجرت به المحنة ، وعلى ذلك جرت البشارات ، وبالإغفال عنه جاء الإنذار والوعيد ، وعلى ذلك اتفق قول الأمة على اختلافهم في الإضافة إلى ما يعقله الخلق ، فثبت أنه معلوم . ثم لا يخلو - إذ علم - من أن يكون إيمان كل أحد يوصف في الأزل بالكون بعد أن لم يكن ، فإن لزم الوصف له بالكون في الأزل لزم الوصف بما في العقل دفعه وفي السمع إحالته ؛ لإحالة كون إيمان أحد فعلا له قبل كونه . والدليل أنه في العبد ، الأمر به ، والنهي عن تركه ، ومجيء الوعد لمن أتى به ، والوعيد على من أعرض عنه ، ومحال كون ذلك كله على غير فعل . ثم الأخبار في القرآن عن الذي جاء به وتسمية ذلك عملا وتسمية صاحبه به ، والمعقول في ذلك أن يكون هو الذي يشهد بوحدانية اللّه ويؤمن برسله ويعتقد ذلك ، وذلك أنه فعله . على أنه لو لم يكن فعله فيكون سائر ما له مما لا صنع له فيه خلقا عند الجميع ، وإن كان فعله فهو عند القائلين بهذا إن كل فعل العبد مخلوق ، وقد بينا ذلك فيما تقدم ، فعلى ذلك الإيمان ، بل هو أحق أن يوصف بالخلق من سائر أفعال العبد ؛ إذ هو أعلا أفعاله وأجلها ، ومن البعيد وصف الرب بخالق الأشياء الدنية والخبيثة وتنزيهه عن خلق الأشياء الرفيعة الحسنة ، فيكون واصفه بهذا شرا من المجوس والزنادقة حيث أضافوا إلى اللّه خلق الخيرات ونفوا عنه خلق الشر ، وهم لا